الجصاص
618
أحكام القرآن
الأوزاعي في المرأة يموت زوجها وهي حامل : " فلا نفقة لها ، وإن كانت أم ولد فلها النفقة من جميع المال حتى تضع " . وقال الليث في أم الولد إذا كانت حاملا منه : " فإنه ينفق عليها من جميع المال ، فإن ولدت كان ذلك في حظ ولدها ، وإن لم تلد كان ذلك دينا يتبع به " . وقال الحسن بن صالح : " للمتوفى عنها زوجها النفقة من جميع المال " . وقال الشافعي في المتوفى عنها زوجها قولين ، أحدهما : " لها السكنى والنفقة " والآخر : " لا سكنى لها ولا نفقة " . قال أبو بكر : قد اتفق الجميع على أن لا نفقة للمتوفى عنها زوجها غير الحامل ولا سكنى ، فوجب أن تكون الحامل مثلها لاتفاق الجميع على أن هذه النفقة غير مستحقة للحمل ، ألا ترى أن أحدا منهم لم يوجبها في نصيب الحمل من الميراث وإنما قالوا فيه قولين ، قائل يجعل نفقتها من نصيبها ، وقائل يجعل النفقة من جميع مال الميت ، ولم يوجبها أحد في حصة الحمل ؟ فلما تجب النفقة لأجل الحمل ولم يجز أن تكون مستحقة لأجل كونها في العدة لأنها لو وجبت للعدة لوجبت لغير الحامل ، فلم يبق وجه تستحق به النفقة . وأيضا لما لم تستحق السكنى في مال الزوج بدلائل قد قامت عليه لم تستحق النفقة . وأيضا فإن النفقة إذا وجبت فإنما تجب حالا فحالا ، فلما مات الزوج انتقل ميراثه إلى الورثة ، وليس للزوج مال في هذه الحال وإنما هو مال الوارث ، فلا يجوز إيجابها عليهم . فإن قيل : تصير بمنزلة الدين . قيل له : الدين الذي يثبت في ميراث المتوفى إنما يثبت بأحد وجهين : إما أن يكون ثابتا على الميت في حياته ، أو يتعلق وجوبه بسبب كان من الميت قبل موته مثل الجنايات وحفر البئر إذا وقع فيها انسان بعد موته ، والنفقة خارجة عن الوجهين ، فلا يجوز إيجابها في ماله لعدم السبب الذي به تعلق وجوب النفقة وعدم ماله بزواله إلى الورثة ، ألا ترى أن النكاح قد بطل بالموت وأن ملك الميت قد زال إلى الورثة ؟ فلم يبق لإيجاب النفقة وجه ، ألا ترى أن غير الحامل لا نفقة لها بهذه العلة ؟ . فإن قيل : قال الله تعالى : ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ) ، وهو عموم في المتوفى عنها زوجها والمطلقة ، كما كان قوله : ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) عموما في الصنفين . قيل له : هذا غلط ، من قبل أن قوله تعالى : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) خطاب للأزواج ، وكذلك قوله تعالى : ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ) خطاب لهم ، وقد زال عنهم الخطاب بالموت ، ولا جائز أن يكون ذلك خطابا لغير الأزواج ، فلم تقتض الآية إيجاب نفقة المتوفى عنها زوجها بحال